|
|
|
الحوار مفهومه وآدابه ومعوقاته |
|
الحوار مفهومه وآدابه ومعوقاته محاضرة ألقيت في الندوة العلمية الثانية للأئمة وخطباء المساجد في حمص تحت إشراف مديرية أوقاف حمص في 1/8/2004 إعداد وتقديم أ . عدنان السقا
فضيلة الشيخ محمد عدنان السقا المحــاورة : وهي المراجعة في الكلام ، ويرادفه الجدال . وقد اجتمع اللفظان في قول الله تعالى : (( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما )) . وفي الاصطلاح : مناقشة بين طرفين أو أطراف ، من اجل تصحيح الكلام وإظهار الحجة وإثبات الحق ودفع الشبهة ورد الفاسد من القول والرأي ... وغاية الحوار : إقامة الحجة ودفع الشبهة وإثبات الحق ورد الباطل . فهو تعاون بين المتحاورين والمتناظرين من أجل التوصل إلى الحقيقة ، وليكشف كل طرف ما خفي على صاحبه منها والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق . يقول الحافظ الذهبي رحمه الله : ( إنما وضعت المناظرة لكشف الحق وإفادة العالم الأذكى العلم لمن دونه ، وتنبيه الأغفل الأضعف ) وهذه هي الغاية الحقيقية وقد لا يتمكن المتناظران من التوصل النهائي إلى الحقيقة المنشودة ، ولكن يمكن أن تتحقق غايات فرعية من المهم التنبيه لها : 1 – التوصل إلى حل وسط يرضي الأطراف . 2 – التعرف على وجهات نظر الطرف أو الأطراف الأخرى وهذا هدف ممهّد . 3 – البحث والتنقيب والاستقصاء والاستقرار في تنوير الرؤى والتصورات المتاحة من أجل الوصول إلى نتائج أفضل وأثبت في حوارات تالية . الحوار بطبيعته لا يقف عند حدود ، ونحن في عصر أصبحت فيه أجهزة الاتصال المنزلية وأقمار الفضاء الكونية في حوار دائم لا يعرف الحدود . وأصبح العالم كله عند أطراف أصابع الملايين وأمام المهتمين على شاشات التلفاز وشبكات المعلومات سمعياً وبصرياً وصورة وصوتاً . فعلى أهل الحق والعدل والإنصاف والإصلاح مع كل هذه الأمواج والشبكات أن يجدوا طريقهم ويحددوا مسلكهم ويبرزوا اتجاههم كما يتخير الربان الماهر ، والقبطان الحاذق طريقه من بين أمواج البحار وشعاب المسالك واشتباه الطرق . الحوار ليس دعوة ولا مناظرة ولا مجادلة ولكنه صيغة جامعة وأسلوب من أساليب التقارب والتجاذب والتفاعل للحوار في لغتنا وتراثنا معان رفيعة القدر سامية الدرجة تكسوها مسحة راقية وتكسبها دلالة عميقة . إذا رجعت إلى معنى الحوار وجدته : ( المراجعة في الكلام ) مما يوحي بما ينبغي من رحابة الصدر وسماحة النفس ورجاحة العقل ، وما يحتاج إليه من ثقة ويقين وثبات ، وما يلزم من القدرة على التكييف والتجاوب التفاعل والتعامل المحتضر الراقي مع الأفكار والآراء جميعاً . وارتباط الحوار بمعنى الرجوع عن الشيء وإلى الشيء يثبت في الضمير الإنساني فضيلة الاعتراف بالخطأ ، ويركز على قيمة عظمى من قيم الحياة الإنسانية وهي القبول بمبدأ المراجعة بالمفهوم الحضاري الواسع الذي تجاوز الرجوع عن الخطأ إلى مراجعة الموقف برمته إذا اقتضت لوازم الحقيقة وشروطها هذه المراجعة ، واستدعى الأمر إعادة النظر في المسألة المطروحة للحوار على أي نحو من الأنحاء وصولاً إلى إجلاء الحق . فالحوار قيمة من قيم الحضارة الإسلامية المستندة أساساً إلى مبادئ الدين الحنيف وتعاليمه السمحة ، وهو موقف فكري ، وحالة وجدانية ، وهو تعبير عن أبرز سمات الشخصية الإسلامية السويّة وهي سمة التسامح ، لا بمعنى التخاذل والضعف بوازع من الهزيمة النفسية ، ولمن بمعنى الترفع عن الصغائر والتسامي عن الضغائن والتجافي عن الهوى والباطل . وعلى الرغم من الطبيعة المتشعبة للحوار فإنه ليس دعوةً ولا مناظرةً ولا مجادلة ولكنه صيغة جامعة وأسلوب من أساليب التقارب والتجاذب والتفاعل . ولذلك فإن من شروط الحوار الجاد الهادف أن يتصف بالحكمة ، والحكمة في هذا الباب هي : جماع العلم والعقل أو المعرفة والأداة ، ومن عناصرها : الفطنة ، وحسن الفهم ، وعمق الوعي ، وسعة الإدراك ، والرشد ، والتنبيه ، والقصد والاعتدال ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ) وقوع الخلاف بين الناس الخلاف واقع بين الناس في مختلف الأعصار والأمصار فكما هم مختلفون في ألوانهم وألسنتهم وطباعهم كذلك هم مختلفون في مدركاتهم وعقولهم وفهومهم ، ( ومن ءاياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ) ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم ) يقول الفخر الرازي : ( والمراد اختلاف الناس في الأديان والأخلاق والأفعال ) 2 – الحوار الناجح هو الذي لا يشعر فيه المتراجع عن الخطأ بالذل كما لا يشعر فيه الداعي إلى الحق بالغرور المبدأ الأول : القصد إلى مواطن الاتفاق : من أخلاقيات الحوار ومبادئه البدء بمواطن الاتفاق من أجل كسب الثقة وفشوّ روح التفاهم . وإيجاد أجواء من الهدوء والانفتاح النفسي ، مما يفتح آفاق التلاقي والقبول والإقبال ، ويقلل الجفوة ويردم الهوة ويجعل فرص النجاح أفضل وأقرب كما يجعل احتمالات التنازع أقل وأبعد .. المبدأ الثاني : الاتفاق على منطلقات ثابتة وقضايا مسلمة .. من الثوابت في دين الإسلام : الإيمان بأركانه ، والإسلام بأركانه ، وما يطلق عليه العلماء المعلوم من الدين بالضرورة كالحكم بما أنزل الله ، وحجاب المرأة المسلمة ، وتعدد الزوجات ، وحرمة الربا والخمر والزنا والسرقة وأمثال ذلك مما هو مقطوع به لدى المسلمين وإثباته شرعاً أمر مفروغ منه ، فهذه الثوابت لا يجوز أن تكون بين المسلمين محل حوار أو ميدان نقاش . المبدأ الثالث : التجرد وقصد الحق والبعد عن التعصب .. فقصد الحق واتباعه والحرص عليه التزاماً وطلباً هو الذي يقود الحوار إلى طريق مستقيم ، ويحول دون الانسياق وراء الهوى ودواعيه سواء كان هوى النفس أو هوى الجمهور أو هوى الاتباع . · يقول الغزالي رحمه الله : ( التعاون على طلب الحق من الدين ، لكن له شروط وعلامات منها أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد معاونه ، ويرى رفيقه معيناً لا خصماً ، ويشكره إذا عرف الخطأ أو أظهره له )
·
وعن الإمام الشافعي رحمه الله :
( ما كلمت أحداً قط إلا وأحببت أن يوفق ويسدد ويعان وتكون عليه رعاية
الله وحفظه وما ناظرني فباليت أظهرت الحجة على لسانه أو لساني) ومما يؤكد
الاحترام القصد إلى الإنصاف وتحرّي العدل ، يجسّد ذلك قول الله تعالى :
· نعم وينبغي في مجلس الحوار التأكيد على الاحترام المتبادل وإعطاء كل ذي حق حقه والاعتراف بمنزلة ومقامة .. فيكون التخاطب بالعبارات اللائقة والألقاب المستحقة والأساليب المهذبة .. · من آداب الحوار 1 – اللفظ وحسن التعامل : قال تعالى : ( وقل لعبادي يقول التي هي أحسن إن الشيطان ينزع بينهم ) فمن العقل ورجحان اللب أن ينأى طالب الحق بنفسه عن أسلوب الطعن والتجريح والهزء والسخرية وعبارات الاحتقار والإثارة والاستفزاز . - ومن لطائف التوجيهات القرآنية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمرُهُ بتجنيب التعنيف في الرد على أهل الباطل ( وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون * الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ) - ومن المعلوم أن إغلاظ القول ورفع الصوت وانتفاخ الأوداج لا ينصر حقاً ولا يثبت حجة لكنه قد يولد غيظاً ويورث حنقاً . 2 – تجنب منهج التحدي والإفحام : يحسن ألا يتعمد المحاور أسلوب التحدي في الحديث ومحاولة ايقاع الخصم في الإحراج ، ولو كانت الحجة بينة ، والدليل دامغاً ، فإن كسب القلوب مقدّم على كسب المواقف ، وقد تفحم الخصم ولكنك لا تقنعه ، وقد تسكته بحجة ، ولكنك لا تكسب تسليمه وإذعانه بأسلوب التحدي ، والقناعة العقلية والحرص على القلوب واستلال السخائم أولى عند الأريب من استكثار الأعداء . على أن هناك بعض الحالات الاستثنائية التي يسوغ فيها اللجوء إلى الإفحام وإسكات الطرف الآخر ، وذلك فيما إذا استطال وتجاوز الحد وطغى وظلم .. قال الله تعالى : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) لا يجوز أن تكون ثوابت الدين والعقل محل حوار أو ميدان نقاش .. 3 – الالتزام بوقت محدد في الكلام : ينبغي أن يستقر في ذهن المحاور ألا يستأثر بالكلام ، ويستطيل في الحديث ، ويسترسل بما يخرج عن حدود اللباقة والذوق الرفيع . ومن المفيد أن يعلم أن أغلب أسباب الإطالة في الكلام ومقاطعة أحاديث الرجال يرجع إلى ما يلي : إعجاب المرء بنفسه ، وحب الشهرة والثناء ، وظن المتحدث أن ما يأتي به جديد على الناس ، وقلة المبالاة بالناس في علمهم ووقتهم وتقدير ظروفهم .. 4 – حسن الاستماع وأدب الإنصات وتجنب المقاطعة .. ينبغي حسن الاستماع ، واللباقة في الإصغاء ، وعدم قطع حدي المحاور ، ومن الخطأ الفادح أن تحصر همك في التفكير في ما ستقوله ، ولا تلقي بالاً لمحدثك ومحاورك ، وقد قال الحسن بن علي رضي الله عنه : ( يا بني إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول ، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام ، ولا تقطع على أحد حديثاً وإن طال) وحسن الاستماع يقود إلى فتح القلوب واحترام الرجال وراحة النفوس كما يشعر بجدية الحوار وأهميته ... 5 – الإخلاص .. هذه الخصلة من الأدب متممة لما ذكر من أصل التجرد في طلب الحق ، فعلى المحاور أن يوطن نفسه ويرضها على الإخلاص لله في كل ما يأتي وما يذكر في ميدان الحوار وحلبته .. المتعصب الحزبي يعيش في حاجز نفسي يجعل همه واهتمامه هو إفحام المخالف والإجهاز عليه ، بل إذلاله !!
معوقات الحوار 1 – التعصب والحزبية : جناحا التعصب هما : ضعف النفس ، وجهل العقل . ثم يؤدي التعصب إلى الحزبية التي يبتلى بها كثير من المنتسبين إلى طائفة في العلم أو الدين أو على رئيس معظم عندهم ... فالمتعصب الحزبي يعيش في حاجز نفسي يجعل همه واهتمامه هو إفحام المخالف والإجهاز عليه ، بل إذلاله وهم بهذا صرّحوا أو لم يصرّحوا فما عندهم هو الحق المطلق وما عند الآخرين هو الخطأ المطلق . إن من يدخل الحوار بقوالب فكرية معدة مسبقاً ، وانتماءات حزبية مذهبية مقرّرة سلفاً ، إنما يدخل الحوار لتقرير رأيه والمدافعة عنه والتعصب له ، وليس عنده الاستعداد أن ينازل عن رأيه ولو تبين له خطؤه ، ومن هنا تتصدع جسور التواصل بين المتحاورين ولا يصل الحوار إلى نتيجة بأي حال . 2 – التصنيف المتعسف .. 3 – النظرة الأحادية .. حيث يسيطر على صاحبه فكرة واحدة يرفض ماعداها ، ففكرته في الحقيقة سجنٌ يمنعه من النظر في أفكار الآخرين ، فصاحب النظرة الأحادية يرى ـ وإن لم يقل ـ أنه يملك كل المعرفة وكل الحقيقة بينما لا يملك الآخرون شيئاً ولا جزءاً . 4 – كراهية الآخر .. المتعصب لفكرة ما تعصباً أعمى 5 - تتحول فكرته إلى سجن يمنعه من رؤية أفكار الآخرين .. نفســـــيات الآخريــــن ترجع نسبة كبيرة من الحوارات الفاشلة إلى عدم معرفة المحاور لنفسية صاحبه ، ومن هنا كانت المعرفة الدقيقة لنفسية الآخر وظروفه وبيئته واهتماماته المعرفة الدقيقة بكل ذلك مفيدة جداً في تحديد الأسلوب المناسب للتحاور معه ... وفي هذا الصدد يقسم العلماء النفوس إلى عدة أقسام : 1 – النفسية البائسة : وهي نفسية من تعرضوا لإحباطات مستمرة ، وأسلمتهم هذه الإحباطات إلى يأس شديد ، فلا يتصورون إمكانية التغيير إلى الأفضل . 2 – النفسية المصنفة : وهي النفسية التي تميل دائماً إلى تصنيف الآخر وتأطيره . 3 – النفسية المتصيدة : وهي التي يتصيد صاحبها الحروف والألفاظ دون الاهتمام بالمقاصد وإحسان الظن بالقائل ، فإذا رأى سقطة أو كلمة ضعيفة وجد بغيته وما يناسبها فجعلها فاكته . 4 – النفسية الهروبية : وهي نفس يسيطر على أصحابها نوع من الضعف ، بحيث يرون أنهم لا يملكون شيئاً في مواجهة المتآمرين عليهم ، فيدفعهم إلى الهروب عن مواجهة تجاربهم الفاشلة . الإسلاميون والحوار ..
الحوار والمشاركة فيه لا يمثل اكتشافاً جديداً ولا يضيف لعلوم المسلمين
ما ليس لهم به 1 – الحوار بين الله وملائكته في شأن خلق آدم وأمر الملائكة بالسجود له . 2 – الحوار بين الأنبياء وأقوامهم كحوار نوح وهود وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ، وهو حوار دقيق هادف يتضح منه الحرص على بيان الحق لهم : ليهتدوا إلى الصراط المستقيم .. 3 – قوله تعالى : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم باللتي هي أحسن ) 4 – محاورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لليهود ولنصارى نجران وغير ذلك . 5 – وقد عقد العلماء عبر مسيرة التاريخ محاورات ومناظرات عديدة مع أهل الكتاب والملاحدة والمبتدعة : لإقامة الحجة عليهم وهو أمر مشهور ..
|