هل نعلن وفاة العرب؟

 

د رفعت سيد أحمد

الآن وقد هدأت العواصف بعد استشهاد الشيخ أحمد ياسين والدكتور الشهيد عبد العزيز الرنتيسي وبعد دخول القضية الفلسطينية مرحلة جديدة من تطورها السياسي والجهادي.. مرحلة قضى فيها وعد بوش الأخير على كل أمل في تسوية أو سلام للشجعان، كما دأب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات على تسميته، الآن يحق لنا أن نسأل والعرب يعقدون قمة جديدة في تونس: هل لا يزال هناك أمل حقيقي بإمكانية أن يفعل العرب شيئًا ليغيروا ما بأنفسهم كي يغيروا المآسي التي تحط عليهم من الخارج كل صباح؟ هل بقي شيء اسمه العرب حتى نبادر بتذكر الرائعة الشعرية متى يعلنون وفاة العرب؟! السؤال صعب والإجابة أيضًا صعبة، ولكن لنحاول ولنكتب علّ ما نكتبه يفيد في هذه الأجواء التي يسيطر فيها اليأس والإحباط على قلوب الأمة.
في البداية لا يملك الكاتب العربي المهموم بقضايا أمته حين يتابع ما يجري في التجمعات العالمية الأخرى من تقدم وازدهار وعمل دؤوب مشترك ومتحضر إلا أن يأسى لحال بلادنا العربية التي لا تزال تحاول أن تتوحد دون جدوى، والغريب أنها لا تستطيع -بفضل حكامها- حتى أن تجتمع في مؤتمر قمة واحد كما حدث في المؤتمر السابق من مهازل وصراعات وبين حكام تحسبهم من فرط صراعاتهم وتنافسهم على رضا الولايات المتحدة الأمريكية أقرب إلى رؤساء قبائل أو عشائر بدائية .. لا يملك المرء إزاء هذا الوضع حين يقارنه بما يحدث على سبيل المثال في الاتحاد الأوروبي إلا أن يتحسر ويصاب بالغم والحزن الدفين؛ إذ عندما نعلم أنه مع الأول من مايو الجاري ارتفع عدد دول الاتحاد الأوروبي من 15 دولة إلى 25 دولة وبازدياد عدد سكانه من 376 مليون نسمة إلى 453 والغريب أن هذا الاتحاد القوي اقتصاديًّا وسياسيًّا يجمع خليطًا من الثقافات واللغات ومع ذلك توحد ونضج واستمر .. والأغرب أن هذا الاتحاد كان يتحدث بـ11 لغة ومع وصول عدد أعضائه إلى 25 دولة سوف يتحدث بـ21 لغة بما فيها اللغة التركية والمتوقع دخول دولتها تركيا في الاتحاد فور انتهاء المشكلة القبرصية.
هذه اللغات المختلفة والتي تحتاج إلى 11 ألف موظف و60 مترجمًا يترجمون ويتابعون سنويًا 3 ملايين ورقة لـ11 ألف اجتماع سنوي لدول الاتحاد ومنظماته، هذا الخليط الذي قد يبدو غير متجانس؛ بل وكان بالأمس القريب يعيش حروبًا مسلحة وحروبًا باردة سرعان ما نفض عن نفسه كل هذا واتحد وخلق بنية مصلحية مشتركة .. بنية وحدوية قادرة على هضم التناقضات وتجاوزها وإعادة إنتاجها على هيئة قرارات وسياسات مفيدة لأبناء القارة .
أين نحن من كل هذا؟! .. أين العرب الذين يتحدثون لغة واحدة وتجمعهم بقبعة جغرافية واحدة ويمتلكون تاريخًا مشتركًا فضلاً عن انتمائهم لثقافة وعقيدة واحدة تضرب بجذورها في 1400 عام خلت .. لماذا لم نتمكن من أن نكون مثل أوربا؟ .. أين الخلل؟ ومن المسؤول عن هذه الفرقة والفتن والصراعات؟ وهل يكفي فحسب أن نقول إن الضغوط الخارجية كانت هي السبب، أم أن ثمة خللاً بنيويًا فادحًا يكمن في العقل الذي أدار العمل المشترك أو رغب فيه أو سعى إليه، أم هو يكمن في عقليتنا وثقافتنا كأمة وشعوب ترفض الوحدة وتنشد العنترية، وتميل إلى تغليب القطرية على القومية في العمل كما في النظر والفكر؟ أين تحديدًا تكمن أسباب تخلفنا في مسألة الوحدة والعمل المشترك المثمر ؟!

الهوس الاستعماري

لا شك طبعًا أن طبيعة ومسار قضايا أمتنا خلال القرنين الماضيين بإجمال كان يحكمها وبالأساس متغيران رئيسان: الأول هو ذلك الهوس الاستعماري القديم والجديد في السيطرة على منطقتنا لاعتبارات جيواستراتيجية، وكانت أمتنا العربية والإسلامية في موقف المعتدى عليها باستمرار، وكانت موضوعًا للنهب الاقتصادي المنظم، وهو استعمار ونهب يرى في الفرقة سندًا لبقائه، وفي الوحدة قتلاً له. والمتغير الثاني هو أنظمة الاستبداد السياسي التي مارست الطغيان المبرمج على شعوبها فأفقدتها الرغبة في الوحدة؛ بل وفي الحياة ذاتها، وهو الاستبداد الذي لم يسع إلى أن يشرك معه في الحكم غيره من القوى، وحتى حين أراد أن يتوحد مع غيره من الأنظمة لم يستشر الشعوب على عكس ما تم في أوروبا مثلاً، والتي رغم ضحايا الحرب العالمية الثانية الذين يربون على الخمسين مليونًا اتحدوا وخلقوا برلمانًا أوروبيًّا واحدًا، وعملة نقدية واحدة وجواز سفر واحد .. الاستبداد العربي الحاكم أخاف الناس من الوحدة وأفزعهم من العروبة، ووضعها قرين استبداده طيلة القرن الماضي؛ فكرهتها الشعوب طالما جاءت مع دبابة الحاكم المستبد.. نعم لم تقبلها الشعوب حين كان هذا الحاكم أو ذاك هو المتحدث بها، وتعمقت على يديه وعبر سياساته القطرية ورغم شوق الناس والأمة إلى الوحدة وإلى العروبة الموحدة؛ إلا أنهم نفروا منها إذا ما جاءت على أيدي الاستبداد العربي الحاكم، وتمنوا بالفعل أن تفشل، وهو ما تم مثلاً في الوحدة السورية المصرية 1958، وفي ظل المشاريع الوحدوية للجامعة العربية طيلة النصف قرن الماضي، وحتى حين رحلت الجيوش الاستعمارية وكان الناس والأمة تعلم تلك الثنائية وتدرك مدى زيف تلك الدعاوى؛ لذا تهاوت وتصدعت مع سقوط أصنام الاستبداد، وحلت للأسف المشاعر القطرية محل المشاعر القومية الجياشة. إذًا الهيمنة الخارجية استعمارًا قديمًا كان أو حديثًا والاستبداد السياسي الحاكم يمثلان في تقديرنا أُسّ البلاء في تدمير الوحدة والعمل المشترك سلوكًا وثقافة، فعلاً ومشاعر.
ولكن.. هل تقف أسباب عدم النهوض العربي (وحدةً وعملاً مشتركًا) عند هذه الأسباب، أم أن ثمة أسباب أخرى؟.  

الاتصال بنا        مشاركاتكم        حول الموقع      الصفحة الرئيسية   


مفروشات :: برامج كمبيوتر :: قروض :: سيارات مستعملة :: تسويق :: اسعار العملات :: استيراد و تصدير ::